سيد قطب

2019

في ظلال القرآن

جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه ، كذلك نجزي الظالمين . فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه - كذلك كدنا ليوسف ، ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ، إلا أن يشاء اللّه ، نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم - قالوا : إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل . فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم . قال : أنتم شر مكانا . واللّه أعلم بما تصفون . قالوا : يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ، فخذ أحدنا مكانه ، إنا نراك من المحسنين . قال : معاذ اللّه أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده . إنا إذن لظالمون » . . وهو مشهد مثير ، حافل بالحركات والانفعالات والمفاجئات ، كأشد ما تكون المشاهد حيوية وحركة وانفعالا ، غير أن هذا صورة من الواقع يعرضها التعبير القرآني هذا العرض الحي الأخاذ . فمن وراء الستار يدس يوسف كأس الملك - وهي عادة من الذهب - وقيل : إنها كانت تستخدم للشراب ، ويستخدم قعرها الداخل المجوف من الناحية الأخرى في كيل القمح ، لندرته وعزته في تلك المجاعة . يدسها في الرحل المخصص لأخيه ، تنفيذا لتدبير خاص ألهمه اللّه له وسنعلمه بعد قليل . ثم ينادي مناد بصوت مرتفع ، في صيغة إعلان عام ، وهم منصرفون : « أيتها العير إنكم لسارقون » . . ويرتاع إخوة يوسف لهذا النداء الذي يتهمهم بالسرقة - وهم أبناء يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - فيعودون أدراجهم يتبينون الأمر المريب : « قالوا - وأقبلوا عليهم - ما ذا تفقدون ؟ » . قال الغلمان الذين يتولون تجهيز الرحال ، أو الحراس ومنهم هذا الذي أذاع بالإعلان : « قالوا : نفقد صواع الملك » . . وأعلن المؤذن أن هناك مكافأة لمن يحضره متطوعا . وهي مكافأة ثمينة في هذه الظروف : « ولمن جاء به حمل بعير » من القمح العزيز « وأنا به زعيم » . . أي كفيل . ولكن القوم مستيقنون من براءتهم ، فهم لم يسرقوا ، وما جاءوا ليسرقوا وليجترحوا هذا الفساد الذي يخلخل الثقة والعلاقات في المجتمعات ، فهم يقسمون واثقين : « قالوا : تاللّه لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض » . . فقد علمتم من حالنا ومظهرنا ونسبنا أننا لا نجترح هذا . . « وما كنا سارقين » . . أصلا فما يقع منا مثل هذا الفعل الشنيع . قال الغلمان أو الحراس : « فما جزاؤه إن كنتم كاذبين ؟ » . . وهنا ينكشف طرف التدبير الذي ألهمه اللّه يوسف . فقد كان المتبع في دين يعقوب : أن يؤخذ السارق رهينة أو أسيرا أو رقيقا في مقابل ما يسرق . ولما كان إخوة يوسف موقنين بالبراءة ، فقد ارتضوا تحكيم شريعتهم فيمن يظهر أنه سارق . ذلك ليتم تدبير اللّه ليوسف وأخيه : « قالوا : جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه . كذلك نجزي الظالمين » . . وهذه هي شريعتنا نحكمها في السارق . والسارق من الظالمين .